ابن عجيبة

192

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

القدم ، وهجران الإخوان ، ومفارقة الأوطان ، ونسيان ما علم وجهل ) . ه . قلت : قوله : ( وهجران الإخوان ) ، يعنى : غير من يستعين بهم على السير ، وأما من يستعين بهم فلا يستغنى عنهم . واعلم أن توحيد الخلق للّه تعالى على ثلاث درجات : الأولى : توحيد العامة : وهو الذي يعصم النفس والمال ، وينجو به من الخلود في النار ، وهو نفى الشركاء والأنداد ، والصاحبة والأولاد ، والأشباه والأضداد . الثانية : توحيد الخاصة : وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من اللّه وحده ، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال ، فإنّ ذلك حاصل لكل مؤمن ، وإنما مقام الخاصة يقين في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل ، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى اللّه ، والتوكل عليه وحده ، فلا يرجو إلا اللّه ، ولا يخاف أحدا سواه ، إذ ليس يرى فاعلا إلا اللّه ، فيطرح الأسباب ، وينبذ الأرباب . الدرجة الثالثة : ألا يرى في الوجود إلا اللّه ، ولا يشهد معه سواه ، فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكوّن ، وهذا مقام الفناء ، فإن ردّ إلى شهود الأثر باللّه سمى مقام البقاء . ه . قال بعضه ابن جزىّ باختصار . قلت : وفي التحقيق أنهما مقامان ؛ مقام أهل الدليل والبرهان ، وهو المذكور في الآية ، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد ، ومقام أهل الشهود والعيان ، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب اللّه ، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل اللّه ، فعوضهم اللّه في الدنيا جنة المعارف ، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف . ( أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان ) ؛ لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحق تعالى عن أن يحتاج إلى دليل ، فكيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه ؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له ؟ - متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه ؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه ؟ - وللّه در القائل : لقد ظهرت فما تخفى على أحد * إلا على أكمه لا يبصر القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * وكيف يبصر من بالعزة استترا ؟